عبد الرزاق اللاهيجي

54

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

من الأجزاء ، لأنّه إنّما يتحقق بعد كمال العلم ، فهو بثمراته أشبه منه بأجزائه ، مثلا ، إذا قلنا : العدد موضوع علم الحساب ، لأنّه إنّما ينظر في أعراضه الذاتيّة ، لم يتحقق ذلك ، إلّا بعد الإحاطة بعلم الحساب ، فكان التّصديق بالموضوعيّة إجمالا من سوابق العلم وتحقيقا من لواحقه . وأمّا تصوّر مفهوم الموضوع : - أعني ما يبحث في العلم عن عوارضه الذّاتية - فإنّما هو في صناعة البرهان من المنطق « 1 » . وإنّما جعلوا التّصديق بموضوعيّة الموضوع من مقدّمات الشّروع في العلم ، لأنّهم اتّفقوا على أنّ تمايز العلوم في أنفسها ، إنّما هو بحسب تمايز الموضوعات ، فناسب تصدير العلم ببيان الموضوع ، إفادة لما به يتميّز بحسب الذّات بعد ما أفاد التّعريف التّمييز بحسب المفهوم . وأيضا في معرفة جهة الوحدة للكثرة المطلوبة إحاطة بها إجمالا ، بحيث إذا قصد تحصيل تفاصيلها لم ينصرف الطّلب عمّا هو منها إلى ما ليس منها . ولا شكّ أنّ جهة وحدة مسائل العلم أوّلا وبالذّات ، هو الموضوع ، إذ فيه اشتراكها ، وبه اتّحادها . وتحقيق المقام على نحو يتضمّن بيان كلا الأمرين أعني : كون تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات ، وكون جهة وحدة المسائل أوّلا وبالذّات ، هو الموضوع . إنّهم لمّا حاولوا معرفة أحوال الأشياء بقدر الطّاقة البشريّة ، على ما

--> ( 1 ) . راجع : شرح المقاصد : 1 / 171 .